موسى عبدالله قاسم
عن الحركة الإسلامية باليمن

 

على امتداد تاريخنا اليمني، الوسيط والمعاصر، شهدت اليمن العديد من الحركات والانتفاضات الثورية الهادفة لاستقلال القرار اليمني، والداعية لأن يحكم الشعب اليمني نفسه بنفسه دون وصاية وتسلّط من وافدٍ دخيلٍ أو خضوع وارتهان لهيمنة خارجية. 

تَقدّم هذه الانتفاضات الثورية أحرار اليمن المتنورين الذين استندوا في منطلقاتهم الثورية على عدالة الدين الإسلامي، الداعي لحق الإنسان في الحرية والكرامة، بعيدا عن دعاوى التميّز العرقي والسلالي الكهنوتي. وقد واجه التنويريون اليمنيون كل مشاريع الهيمنة العرقية والسُلالية العنصرية، سواءٌ القرشية -الأموية والعباسية- منها أو العلوية الهاشمية الإرهابية، والتي لا تزال تعربد في بلدنا حتى اليوم.

كانت الحركة الإسلامية -بمختلف توجهاتها ومشاربها- هي الوقود والدافع للثائرين من أجل بلدهم، وعلى سبيل الذكر، انتفض الفقيه القيل عبدالله يحيى الكندي -إباضي التوجه- ضد الوجود الأموي في اليمن (129هـ)، قائلاً قبل توجهه إلى صنعاء قادماً من حضرموت "رأيت باليمن جوراً ظاهراً، وعسفاً شديداً، وسيرة في الناس قبيحة، ما يحل لنا المقام على ما نرى، ولا يسعنا الصبر عليه". ثم حرّر اليمن من الوجود الأموي قبل أن تعاود الأموية هجمتها للسيطرة عليه واغتيال القيل الثائر عبدالله الكندي رحمه الله.

وعلى ذات الدرب سار الملك علي بن الفضل الحميري بتوجهه الإسلامي ثم القومي اليمني، وتلاه الكثير من التنويريين بخلفياتهم الإسلامية، مطرّف الشهابي ونشوان الحميري وصالح المقبلي ومحمد الشوكاني وسعيد بن ياسين وغيرهم.
كل هؤلاء الأحرار قارعوا الوجود الدخيل على بلدهم -فِكراً وسيفاً- وفقاً لإيمانهم الراسخ بأن اليمن وشخصيته القومية لا يمكن المساومة عليها، كما لا يمكن أن تُترك للطمس والتجريف بدعوى فرض الهوية الإسلامية المشوهة وفقاً لأجندات المتسلطين من خارج حدودها.

وفي مطلع القرن العشرين، وجد التنويريين اليمنيين بلدهم ترزح تحت سطوة الكهانة الهاشمية مجدداً، فانطلقوا على منوال من سبقوهم من أحرار اليمن ومتنوريه، وكان العلامة علي عبدالله الحكيمي والأستاذ أحمد محمد نعمان والقاضي محمد محمود الزبيري من أبرز التنويريين الذين تصدوا للعصابة السلالية الكهنوتية، بدءاً بمقارعته استناداً إلى تعاليم الإسلام الصحيحة بُغية الإصلاح ورفع المظالم، مستلهمين في ذلك الروافد الفكرية للرعيل الثوري الأول، وانتهاءً بالدعوة للثورة على هذه الكيان الكهنوتي الغاصب للقرار الشعبي اليمني، وتكلّلت تلك الدعوة بثورة فبراير الدستورية عام 48م.

وبعد حدوث العديد من الانتفاضات الثورية، كمحصلة لجهود الأحرار اليمنيين، اندلعت ثورة 26 سبتمبر الخالدة، كصيرورة نضالية للشعب اليمني، وهذه الثورة الظافرة ما كان لها أن تحدث لولا مقدماتها الثورية والتنويرية التي وضعت اليمن أولاً وقبل كل شيء.

وخلال ثورة سبتمبر التي امتدت قرابة ثماني سنوات، بدأت الحركة الاسلامية - بفكرها الجديد- تنحو منحىً مختلفاً عن أسلافها وروافدها الفكرية اليمنية، وكان شغلها الشاغل -وسط المعارك الجمهورية- العمل على أن تكون هوية الثورة والجمهورية إسلامية الفكر والمضمون، على الرغم من أن الشعب اليمني مسلم موحد لله بالفطرة، قبل مجئ الإسلام وبعده، وليس هنالك ممن أساء للدين الحنيف على أرض اليمن غير أولئك الذين استخدموه كأداة للحكم والتسلّط. هذا إلى جانب أن أهداف الثورة السبتمبرية لم تتحقق بعد، وأن أعداء الثورة كانوا يحيطون بها من كل متّجه وصوب!

هذا - الفكر الجديد- للحركة الإسلامية مكّن أصحاب المشاريع الخاصة من استغلال حماس الحاملين له، وتطويعهم لتحقيق المآرب الشخصية، تارة في الجانب الإعلامي والدعوي، وأخرى في الجانب الميداني. وكان من أوائل المستفيدين من ذلك عبدالله حسين الأحمر الذي أخرجته الثورة من سجون السلالة الهاشمية، لكنه خرج لغرس الخنجر في ظهر ثوارها وقادتها! وقد أوجدت - الحركة- قاعدة جماهرية للأحمر، وشيطنت كل مناوئيه، كما حدث بعد الانقلاب على الزعيم عبدالله السلال - مؤسس الجمهورية- أو خلال أحداث أغسطس الدامية التي أُلصقت كل التهم بالمخالفين للأحمر، من الكفر والإلحاد والشيوعية، وهم أبطال حرب السبعين، والكاسرين لحصار صنعاء، العاصمة السليبة يومنا هذا بيد الكهنوت السلالي!

لم تتوقف انتكاسة الحركة الاسلامية - بحلتها الجديدة- عند هذا الحد، فقد تمكّن اللوبي السلالي الهاشمي من اختراقها، وتصعيد الكثير من أعضائه في هياكلها القيادية، خصوصا بعد عام 70 م، العام الذي تصالح فيه المنقلبين على الاستحقاقات الثورية مع العصابة الهاشمية الإرهابية، وفي ذلك الاختراق استطاع اللوبي الهاشمي تسخير الحركة الاسلامية لمشروعه طويل المدى، لا سيما في الجانب الثقافي والدعوي، وعلى وجه التحديد مواجهة الأفكار الوطنية التقدمية، والداعين لها، الأمر الذي خلق أجيالاً يمانية تعادي حتى مفهوم الوطنية بدعوى أنه مفهوم مناقض للإسلام عقيدة وشريعة!

وبعد حدوث - التزاوج العرفي- بين سلطة الرئيس علي صالح والحركة الإسلامية، استطاع علي صالح استخدامها في حروبه من أجل تثبيت دعائم حكمه، فبرزت الحركة الواجهة القوية لمحاربة مناهضي سلطة صالح الفتية، لاسيما في أحداث الجبهة الوطنية في المناطق الوسطى وشرعب، والتي تمكّن أعضاء الحركة من إخمادها مستغلين خلفيتهم الدينية وسلاح التكفير والزندقة للجبهووين، مروراً بحرب 94 المدمِّرة التي شدّت إليها الحركة رحالها، وجيّشت الشجر والحجر للانقضاض على "الانفصاليين" وحماية الوحدة اليمنية.

وقد أتت مشاركة الحركة الاسلامية في حرب 94م بعدما تحوّلت إلى حزب سياسي تحت مسمى "التجمع اليمني للإصلاح"، واللافت في أهداف الحزب وفقاً لأدبياته هو إعادة تأكيده على "أسلمة النظام الجمهوري" كهدف أول من أهدافه السياسية، حتى قبل الحديث عن ثورة سبتمبر وأهدافها التي أتت تالياً، إذ ينص الهدف الأول على "العمل على أن يكون الحكم إسلامياً، يرعى مقاصد الدين، ويحقق حاجات الناس ومصالحهم، واعتبار الشريعة الإسلامية مصدر التشريعات جميعاً."
وقد برزت الرّدة - بشكل واضح- في المواقف إبان التمرد السلالي الهاشمي في محافظة صعدة، إذ كان موقف حزب الإصلاح زئبقياً إلى حد كبير، ودخل في معمعة المناكفات الحزبية من قبيل أن الحرب على التمرد السلالي كانت حربا عبثية يخوضها نظام صالح، رغم إدراكه -الإصلاح- لتاريخ الحركة التنويرية اليمنية التي ناهضت العصابة السلالية في مختلف المراحل، وذهب الكثير من الأحرار شهداء وقرابين في سبيل الحرية لليمن أرضاً وشعباً.

والمثير للإهتمام هنا أن الحركة الاسلامية -الجديدة- والإصلاح كصيرورة لها استخدم كل قوته -الفكرية والميدانية- لمواجهة كل المشاريع في اليمن منذ ثورة 26 سبتمبر، عدا المشروع السلالي الكهنوتي الذي فجّر حروب صعدة، وتسبب بمقتل أكثر من 60 ألف يمني، فما هو السبب في ذلك؟ دون شك فإن سبب ذلك يعود للتغلغل السلالي في جسد الحزب وإمساكه بالكثير من مفاصله الحيوية، ما جعل موقفه تجاه التمرد السلالي مائعاً وضبابياً، وليس أدل على ذلك بيان زيد الشامي عام 2014 الذي دعا الإصلاحيين لعدم مواجهة العصابة السلالية وهي تستولي على صنعاء بدعوى أن الحرب ليس حربهم!!

كل هذه الانتكاسات في المواقف الوطنية كانت رِّدة فعلية للحركة الاسلامية في اليمن، لاسيما إذا ما أخذنا في الاعتبار القول بأن حزب الإصلاح هو الوريث للحركة الإصلاحية اليمنية عبر التاريخ، كما جاء في أحد بيانات الحزب في الآونة الأخيرة.

هذا التاريخ المؤسف بحاجة إلى مراجعة حقيقية وصادقة، لكيلا تفيق الأجيال القادمة على ما أفقنا عليه نحن اليوم بعد خمسين عام من الثورة الخالدة. مع التأكيد أن منحى الحركة الاسلامية والإصلاح كممثل لها بعد العام 2015 مختلف تماما عن كل المواقف السابقة، على الميدان، أما على الصعيد الفكري فإن هنالك الكثير من النقاط التي يتوجب الوقوف عندها، ومراجعتها، منها -على سبيل المثال- استحضار العقيدة الدينية للمقاتل على حساب العقيدة الوطنية، مع أن المعركة مع الكهنوت السُلالي وطنية خالصة، وليست معركة دينية، بالإضافة إلى استمرار البعض في شيطنة الداعين لابتناء اليمن الجمهوري الاتحادي انطلاقاً من هويته الوطنية الحضارية، وهذه الدعوة ليست وليدة اليوم، بل هي دعوة الحركة الوطنية عبر التاريخ، بإرثها القومي اليمني على مدار أكثر من 1200 عام.

مقالات أخرى
عن الحركة الإسلامية باليمن موسى عبدالله قاسم
ايهما اولى بالمواجهة..الإمامة ام الإنفصال؟! عبدالاله الطاهش
عن البلاطجة في تعز علي المعمري
مدينة تعز ومطار صنعاء! عدنان الراجحي
القاموس المستهلك في جمجمة المثقف الاستهلاكي محمد المقبلي