تحليل خاص..اليمنيون: وقود المشروع السلالي
راي اليمن /خاص/ وديع الأصبحي

تمهيد 
تقامر جماعة الحوثي بمصير الاف الشباب الذين تم تجنيدهم في مشاريع حروبها الخاصة السياسية والجيوسياسية، حيث تشير الاحصائيات الواردة غير الرسمية عن مقتل وجرح عشرات الآلاف من العناصر التابعة لجماعة الحوثي منذ انقلابها على السلطة الشرعية واستيلائها على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014.
هذا الكم الهائل من العناصر الذين حشدتهم جماعة الحوثي الى صفوفها كمرتزقة يجعلنا- بسبب فداحته لا شك - نطرح أسئلة كالتالي: لماذا بات الشباب اليمني بمختلف انتمائه المذهبي والمناطقي ضحايا سهلة تسخدمهم جماعة الحوثي في مشاريع حروبها؟ وهل يعني ذلك تمكن جماعة الحوثي من تذويب الجماهير اليمنية في المناطق الخاضعة لها في سياق مشروعها السلالي العنصري؟ هذا ما يسعى هذا المقال الى اثارته وتقديم بعض عناصر الإجابة عنه.

تفكك المرجعيات القديمة والجديدة 

تعرضت البنية الاجتماعية التقليدية في اليمن خلال العقود الماضية الى تغيرات وتحولات جذرية أثرت في حجمها ووظيفتها، فلم تعد الهياكل والبنى التقليدية القبلية والطائفية تشكل حضوة وحضور قوي لدى الافراد ولا حاضنة لأية أحلام او مشاريع اجتماعية ، بالرغم من وجود بعض اشكال التلاحم والتضامن التي توحي باستمرارها.  

فنحن نعيش اليوم في مجتمعات مكونة أساسا من الأفراد المنخلعين عن عصبياتهم وتضامناتهم القديمة، يميزها ظهور الفرد، لكن ليس الفرد الحر الواعي لما يريد والمؤهل للتوجه في العالم الاجتماعي والحضاري الجديد، وإنما الفرد المرمي في الفراغ من دون تأهيل، والفاقد لأي هوية وحاضنة اجتماعية أو سياسية. فهو لم يعد الأخ في جماعة الدين أو العشيرة الحاضنة، ولا هو المواطن العضو في دولة يحكمها قانون المواطنة والمساواة أو أي قانون. أي لا هو أخ في الايمان ولا هو مواطن في السياسة. في هذا الوضع، الذي أدى إليه الانحلال الطبيعي للعهد الأخوي، الطائفي أو العشائري، والانهيار الراهن للعهد الوطني/المواطني مع إجهاض الدولة الامة، تضرب الأزمة كل جوانب الحياة الاجتماعية، السياسية والثقافية والأخلاقية، ولا تبقى هناك مرجعية جامعة، ويجد الفرد نفسه ضائعا، متروكا لقدره، من دون وكيل أو مرشد أو حماية أو كفيل[1].

وهذا يعني ان المشكلة تكمن في انحلال البنى والهياكل التقليدية في اليمن التي كانت توفر للفرد حد ادنى من الرعاية والتضامن والحماية من جهة. وانهيار وتفكك الدولة الوطنية من جهه اخرى. فغياب الدولة الأمة يعني غياب دولة المواطنة التي تعني قبل اي شيء اخر ضمان الحماية والحياة الكريمة للجميع، والحرية لكل فرد، والمساواة الفعلية أمام القانون، والمشاركة العملية في القرار. 

ومن المعروف ان المجتمع اليمني بشكل عام من المجتمعات الشابة، ويكاد يتكون من أكثر من 60 وأحياناً 70% من الشباب الذين تقل أعمارهم عن عشرين عاماً. "وهذه النسبة الكبيرة من الشباب والوتيرة السريعة لتزايد الأفراد لا يولدان ضغوطاً قوية جداً على الموارد الاقتصادية فحسب ولكن أيضاً على الموارد المعنوية والثقافية المحدودة أصلاً. ولذلك فإننا نجد أنفسنا أمام أغلبية اجتماعية من الشباب الذين يفتقرون إلى أي شكل من أشكال التأطير الاجتماعي والتربية المدنية بل والاندماج المجتمعي، ولا يحظون بأي رأسمال رمزي وثقافي ذي قيمة، وهم بعيدون كل البعد عن الحماس للقيم والمفاهيم والمبادئ والمعايير التي لا يزال يتمسك بها جيل الآباء. إنهم أغلبية كبيرة من فاقدي الهوية الحقيقية أو الذين لم تتحقق مواطنيتهم ولا توجد شروط أو احتمالات لتحقيقها، وليس لديهم أي مفهوم أو وعي بطبيعة موقعهم ودورهم وحقوقهم وواجباتهم الاجتماعية. إنهم بشكل عام غير مؤهلين ولا معدين ليكونوا أعضاء في مجتمع وأن يشاركوا فيه وأن يتفاعلوا معه"[2]. 

وهذا الكم الهائل من الجمهور المفتقر للتأهيل الاجتماعي والتكوين السياسي والمدني -أي المواطني- المنخلع عن عصبيته تحول تحت وطأة الحرب، في ظل انحلال البنى التقليدية القبلية وانهيار الدولة اليمنية، إلى الخزان الواسع والهائل ليس فقط للمليشيات الحوثية السلالية، وانما لكل الحركات المليشياوية الاخرى ولجيوش الدول الإقليمية المشاركة في الحرب، التي ترد على مطالب فورية أو غريزية عند هؤلاء الشباب، سواء أكانت مطالب ذات طبيعة مادية أو معنوية. 

السيطرة على ارث البنى القبلية المتحللة 

والحال، لا يعني ان وضع جماعة الحوثي السلالية يدها على إرث قبيلتي حاشد وبكيل وحطام الطائفة الزيدية وعلى إرث البنى القبلية المتحللة في المناطق اليمنية الوسطى والغربية ذات الانتماء السني، للانفراد بالسيطرة على العناصر التي يراد تجنيدها في مشروعها، قد حصل بسهولة، وانما حصل عبر العنف واحتاج تحقيقه الى ما يلي :

1-  معارك ومواجهات دموية مع أصحاب هذا الارث الطبيعيين والتقليديين من شيوخ قبائل وجهاء وأعيان.
حرصت الجماعة، في صراعها مع القبائل وبالقبائل، على خطاب ذرائعي، تفكيكي - إن صح التعبير- مستفيدةً من النزاعات البينية، لتستفرد بكل قبيلة أو قوة قبلية أو أجنحة قبلية، كل على حدة، عاملة بكل ما لديها على تحاشي توحد خصومها ضدها. ومنذ بداياتها الأولى عملت الجماعة على إخضاع قبائل صعدة، معقلها الرئيسي، لهيمنتها، لتمضي قدماً في ذلك عاملةً على إخضاع بقية القبائل لها في طريقها إلى صنعاء.
لقد كانت المواجهة الأكثر حسماً في هذا الجانب هي معركتها ضد عائلة الأحمر، المشايخ التقليدين لقبيلة حاشد، والذين كانوا يمثلون، مثلما تمثل قبيلة حاشد التي ينتمون إليها ويتزعمونها، قمة هرم القبائل اليمنية نفوذاً وقوة. وقد انتهت المواجهات بينهم وبين الحوثيين إلى سيطرة الأخيرين على قبيلة حاشد"[3].

منذ ما قبل سيطرة الجماعة على العاصمة صنعاء في 2014، وحتى ما بعد ذلك، خاضت العديد من المعارك مع قبائل وقوى قبلية موالية لأحزاب سياسية مثل "التجمع اليمني للإصلاح" أو قوى قبلية مستقلة في كل من البيضاء والجوف والرضمة بإب، وآنس، وعتمة بذمار، ومؤخراً قبيلة حجور بحجة"[4].
وللانصاف نقول هنا ان الحروب الحوثية التي خاضتها في محافظة عمران في عام 2014 لم تكن ضد قبائل حاشد وآل الأحمر او حزب التجمع اليمني للإصلاح أعدائهم التاريخيين، كما ادعى الحوثيين وساهمت وسائل الاعلام بالترويج لهذا الادعاء، وانما كانت حربا ضد الدولة اليمنية ومشروعها الوطني.   

2- مواجهات حربية دموية مع أصحاب المشاريع الأخرى المنافسة لمشروعهم السلالي.

منذ ظهور جماعة الحوثي السلالية في عام 2004 شنت حربا وحشية على الدولة والمجتمع اليمني ما تزال رحاها مستمرة الى هذه اللحظة. كما شنت حروبا مع اصحاب المشاريع المناسفة لها وابرز تلك المواجهات كانت مع:
- القوى السلفية: بالنسبة لحروبها ضد السلفيين وإخراجهم من صعدة في اواخر عام 2013 كما فعلت بالعائلات اليهودية، كان الهدف منه ليس الهيمنة بشكل منفرد على صعدة فحسب، بل تنقية المجال التاريخي الجغرافي والديني للمذهب الزيدي والحامل الاجتماعي له قبيلتي حاشد وبكيل. 

- رئيس النظام السابق: بالرغم من الدور الكبير الذي لعبه الرئيس السابق علي صالح في تمكين الحوثيين من ازاحة خصومها والسيطرة على الحكم في صنعاء والتمدد، الا ان هذا لم يمنع الجماعة من الانقلاب على حليفها صالح وتصفيته في ديسمبر 2017. وتصفية الحليف صالح كان يعني انفراد الحوثيين بالمجال الجغرافي والمؤسسين الخاضع للجماعة الانقلابية وراثة الجماعة الحوثية السلالية بشكل منفرد المؤسسات المدنية والعسكرية والأمنية والاستخباراتية، والموارد وتدبير الحياة اليومية في ذلك المجال كسلطة امر واقع.        
 
3- تهميش الممثلين الأصليين للقبائل والانقلاب عليهم، وتشويه صورتهم وتصفيتهم. 

لم تلبث جماعة الحوثيين بعد اتساع نفوذها، وانكسار القبائل أمامها أن قامت بتنصيب مراكز قوى خاصة بها، أي عمدت إلى تنصيب مشايخ قبائل موالين لها. وبتعبير آخر حرصت على إعادة هيكلة القبيلة، وإزاحة القوى القبلية القديمة التي كانت موالية لنظام صالح أو مقربةً من حزب التجمع اليمني للإصلاح، لتخلق لنفسها قوى قبلية موازية تحل محل القوى القبلية القديمة. فبعد سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء في 2014، وبعد كسر شوكة آل الأحمر في حاشد الذين كانوا يمثلون المشايخ التقليديين لأقوى القبائل اليمنية تلك. عمل الحوثيون على عقد مؤتمر قبلي كبير من الموالين لهم في 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2014، في ما سمي بـ"مؤتمر عقلاء وحكماء اليمن". وقد ترأسه أحد المشايخ الذين ينتمون إلى منطقة حيدان، معقل زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، وهو "الشيخ ضيف الله رسام" الذي عُدّ ترأسه للمؤتمر بمثابة تنصيب له كشيخ لمشايخ اليمن، وهو المنصب الذي كان يشغله أو يمثله الشيخ صادق الأحمر ومن قبله لعقود والده عبد الله بن حسين الأحمر، أي مشايخ حاشد من آل الأحمر"[5].

كما قامت بتصفية عدد كبير من شيوخ القبائل الموالين لها، حيث تعرض الكثير من شيوخ القبائل الموالين للحوثيين للتنكيل شمل التصفية والاختطاف والمداهمة وتدمير منازل، منهم 12 شيخاً جرت تصفيتهم بصورة سرية أو علنية. حيث أقدمت الجماعة، خلال عام 2019، على تصفية واختطاف وتدمير منازل أكثر من 22 من شيوخ القبائل،من بينهم 12 شيخاً قبلياً كانوا حلفاء للجماعة وممن مهدوا لها الطريق لإسقاط الدولة اليمنية نهاية 2014 [6].

4 - القضاء على آخر ما تبقى من علاقات القربى والأخوة والتضامن العفوي والانساني بين المنتمين للوطن اواحد وللعقيدة الواحدة، وفي ال للنسب الواحد، والدم الواحد، وذلك من خلال تشريد وقتل معارضيهم وتفجير منازلهم وتفجير المساجد والمدارس وغير ذلك من الممارسات. 

تذويب الجماهير اليمنية 
 
ان عملية انتزاع جماعة الحوثي السيطرة على الشباب اليمني بمختلف انتمائتهم الطائفية والقبلية والمناطقية الطائفة من اولياء امرهم الحقيقيين، ثم التخلص بعنف مشابه من الممثليين الاصليين للقبائل ومن القوى المحلية المنافسة لمشروعها والتي كانت يمكن أن تشكل عائقا أمام الاستخدام الأداتي وشبه الفاشي لمشروع السلالة الهاشمية . كان في الواقع يعني ضرب العصبية الطائفية والقبلية والجهوية نفسها، لبناء عصبية الجماعة السلالية أو الميليشيا الجديدة مكانها. 

وعقب تصفيته لحليفه السابق علي عبدالله صالح لم يجد الحوثي صعوبة كبيرة في حشد وتجنيد آلاف من الشباب لمصلحة مشروعه السلالي وتثبيت الجماعة السلالية كسلطة امر واقع مشروعه وتحويل المناطق الجغرافية الخاضعة لسيطرته إلى إمارة خاصة به وبأسرته وسلالته. وقد ساعده على ذلك سيطرته على مؤسسات الدولة في العاصمة صنعاء وما توفرها له موقعه في الدولة من موارد يستطيع أن يشتري بها ولاء الأفراد.

وكما نعرف فان المجال الجغرافي الخاضع لسيطرة الجماعة الحوثية يحتوي على الكثافة السكانية الاكبر ويقطنه ما يقارب الـ 60% من سكان اليمن. وهذه النسبة الكبيرة من السكان تحول الكثير منهم الى ضحايا سهلة للجماعة الحوثية التي تستغل عطشهم وجوعهم وشعورهم بالفراغ المادي والمعنوي لتحقيق الذات من أجل تجنيدهم في مشاريع حروبها الخاصة. وتذويبهم عقائديا في سياق مشروع الجماعة الحوثية الإمامي السلالي العنصري البغيض. 

المراجع
1- برهان غليون، المشرق بين تفكك الطوائف وانحلال الدول : مرتزقة وأمراء حرب، مقال منشور في موقع الحوار المتمدن : ١٥/ ٨/ ٢٠١٤. 
2- برهان غليون، الديمقراطية في العالم العربي:  مساهمة في ندوة المشروع الحضاري العربي، فاس 2001-04-24
3- للمزيد انظر : أحمد الطرس العرامي ، الحوثيون بين السياسة والقبيلة والمذهب: موقع صحيفة السفير العربي، تاريخ النشر 2019-09-02.
4-  أحمد الطرس العرامي، مصدر سبق ذكره.  
5- مصدر سبق ذكره. 
6- الشرق الأوسط، شيوخ القبائل اليمنية في دائرة الاستهداف الحوثي الممنهج، موقع صحيفة الشرق الاوسط ، تاريخ النشر السبت 07 مارس 2020.

متعلقات
close